الشيخ محمد رشيد رضا

99

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

( 2 - المعية الإلهية ) في هذه السورة من المعية العليا قوله تعالى في آية الغار عن رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ( 40 إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا ) وهي معية النصر والمعونة ، والحفظ والعصمة ، والتأييد والرحمة ، كما يقتضيه المقام في حال الهجرة ، وهذه المعية أفضل من كل ما ورد في معناها ، ومن أعظمه قوله تعالى لكليمه موسى وأخيه هارون عليهما السّلام ( لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى ) فراجع ( ص 427 ج 10 ) وفي الآية 123 ( وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ) وهذه معية النصر لأنها معطوفة على الامر بالقتال ويقال في كل منها مع العلم بمعناها انها معية تليق به تعالى ( 3 - الدرجة والعندية الإلهية وسكينته تعالى ) قال تعالى ( 20 الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ . . . أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ ) الآية . وقد قلنا في تفسير هذه العندية [ ص 220 ج 10 ] انها حكمية [ بضم الحاء ] شرعية ، ومكانية جزائية ، أي هم أعظم درجة في الفضل والكمال في حكم اللّه ، وأكبر مثوبة في جوار اللّه وقال بعد بشارتهم بالرحمة والرضوان والجنات والنعيم المقيم والخلود فيها من الآية ( 22 إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ) وهو استئناف بياني فالعندية فيه مفسرة لما قبلها . وقال ( 36 إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ) فالعندية هنا يفسرها ما بعدها وهو كتاب اللّه الذي كتب فيه مقادير السماوات والأرض ونظام الأيام والليالي والشهور والسنين . وقيل كتابه المنزل الذي فيه حكمه التشريعي في الشهور وهو قوله بعد ما ذكر [ منها أربعة حرم ] الخ وفي الآية ( 52 وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا ) فعندية العذاب عبارة عن كونه بفعله تعالى دون كسب للمؤمنين وهو ما يسمى بالمصائب السماوية بدليل مقابلته بقوله [ أو بأيدينا ] والإضافة في العندية الحكمية للتوقيف والتعريف ، وفي العندية المكانية للتشريف ، ومثلها إضافة السكينة اليه تعالى